:نظرة سريعة على الشيك كوسيلة سداد تعطي الدائن ضمانات هامة
شكلت الشيكات إحدى ركائز التعامل التجاري في دولة الإمارات ولا تزال نظرا للحماية القانونية التي خصصها بها المشرع الإماراتي. فبالإضافة الى أن ساحب الشيك يكون مسؤولا مدنيا عن الوفاء بقيمة الشيك، هناك عقوبات جزائية مثل الحبس والغرامة التي يمكن أن تنزل بالموقع على الشيك في حال إرتجاع الشيك سواءً لعدم وجود رصيد كافٍ أو لأي سبب آخر سندا للمادة 401 من قانون العقوبات الإماراتي التي تطلّبت أن يكون إصدار الشيك بسوء نية، وقد درجت المحاكم على إعتبار أن كل إصدار لشيك دون رصيد يتصف بسوء النية دون الحاجة للتثبت من وجود سوء النية. وهذه العقوبات تطال الموقع على الشيك أيضا في حالة التوقيع على الشيك بالنيابة عن الساحب كأن يوقع مدير الشركة بالنيابة عنها على شيك لسداد مستحقات على الشركة
فضلا عن ذلك، فإن الموقع على الشيك بالنيابة عن الشركة كالمدير مثلا يكون مسؤولا في أمواله الشخصية عن الوفاء بقيمة الشيك سندا للمادة 599 من قانون المعاملات التجارية الإماراتي. وإن العقوبات والمسؤولية تطالب ساحب الشيك والموقع ليس فقط في حال إرتداد الشيك لعدم كفاية الرصيد، إنما أيضا في حالة إقفال الحساب أو تسليم شيك مع تعمد تغيير الإمضاء لمنع صرفه. وإن المسؤولية المالية عن سداد قيمة الشيك، تسمح للدائين أو المستفيد من الشيك من إصدار أمر بمنع من السفر بحق الموقع على الشيك لمنعه من مغاردة الدولة
ومؤخرا قام المشرع الإماراتي بتخفيف العقوبات الجزائية المتعلقة بالشيكات المرتجعة بحيث ألغى عقوبة الحبس فيما يتعلق بالشيكات التي تساوي أو تقل عن مائتي ألف درهم (200,000) درهم، فيما إحتفظ بعقوبة الغرامات المالية. والجدير بالذكر هنا أن الكثير من الدول الغربية ألغت من قوانينها العقوبات الجزائية على الأشخاص فيما يتعلق بالدين الناشىء عن إلتزام تجاري أو مدني
وقد أدت هذه الضمانات للمستفيد من الشيك في ملاحقة الموقع على الشيك جزائيا داخل دولة الإمارات العربية المتحدة الى جعل الشيك وسيلة سداد لها قيمة تقارب الدفع بالنقود، فبات الدائنون يعتمدونها في الدفعات مع الأجل، وصارت تغنيهم في بعض الأحيان عن ممارسة واجبهم بالتحقق من ملاءة أو صدقية من يتعاقدون معهم
أهم التعديلات على التعامل بالشيكات التي أدخلها المشرع الإماراتي في العام 2020
بتاريخ 27 سبتمبر 2020 صدر القانون بمرسوم إتحادي رقم 14 لسنة 2020 بتعديل بعض أحكام قانون المعاملات التجارية الذي أدخل تعديلات هامة على التعامل بالشيكات تماشيا مع الإتجاه المستمر في تطوير الإقتصاد الإماراتي، بحيث حافظت تلك التعديلات على مكانة الشيك كوسيلة للوفاء وعدلت العقوبات بجعلها عادلة أكثر وتساعد في ترسيخ الثقة بإستعمال الشيك والتعامل التجاري كما نشرح أدناه. ونلفت نظر القارىء أن التعديلات المشار إليها فيما يلي تدخل حيز التطبيق إبتداءا من 2 يناير 2022. ورغم المسافة الزمنية بين القانون وتاريخ تطبيق التعديلات، إلا أنه على التجار والشركات أخذ الحيطة فيما يتعلق بالشيكات التي لها تاريخ إستحقاق لاحق لـ2 يناير 2022 ودراسة موقفهم القانوني ليبنى على الشيء مقتضاه
إلغاء جريمة إصدار شيك دون رصيد:
ألغى المشرع الإماراتي المواد 401 و402 و403 من قانون العقوبات الإماراتي التي تتناول جريمة الشيك دون رصيد، وفرّق بين فعل إرتداد الشيك دون رصيد الذي أزال عنه صفة الجريمة، وإرتداد الشيك بسبب قيام الساحب بسحب قيمة الشيك أو إقفال الحساب بعد إصدار الشيك أو تعمد توقيعه بطريقة تمنع صرفه حيث تم الإبقاء على العقوبات الجزائية مع تعديلها. وإن إزالة الصفة الجرمية عن إرتداد الشيك دون رصيد في الحالة الواردة أعلاه لا يخل بمسؤولية الساحب المدنية أو وكيل الساحب الذي يوقع على الشيك لمصلحة غيره سندا للمادة 599 من قانون المعاملات التجارية
عقوبات بديلة تتعلق بالشيكات المرتجعة:
تعاقب المادة الجديدة 641 (1 مكرر) بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد على سنتين، وبالغرامة التي لا تقل عن (10%) من قيمة الشيك وبحد أدنى مبلغ (5,000) درهم، ولا تزيد على ضعف قيمة الشيك، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من يرتكب أحد الأفعال التالية:
أمر المصرف قبل تاريخ السحب بعدم صرف الشيك إلا في حال ضياع الشيك أو إفلاس حامله.أقفل الحساب أو سحب كل الرصيد الموجود فيه قبل إصدار الشيك أو قبل تقديمه للمسحوب عليه للسحب، أو كان الحساب مجمدا.
تعمد تحرير الشيك أو توقيعه بصورة تمنع من صرفه.
إذا يظهر أن المشرع لم يلغ العقوبات بالكامل إنما قام فقط بإلغاء عقوبة سحب شيك دون رصيد التي لا تتصف بسوء النية. وبالتالي، فإن العقوبات الجزائية عدلت وأصبحت تطال فقط الساحب الذي يتصرف بسوء نية كأن يقوم بسحب قيمة الشيك بعد إعطائه للمستفيد، أو كان يقفل الحساب أو يتعمد تحرير الشيك بطريقة تمنع من صرفه، وهذه أفعال لا يجب أن تكون جزءا من أعمال التجارة المشروعة. ويلاحظ أيضا أن العقوبة المالية تم تشديدها تماشيا مع قيمة الشيك بحيث أنها لا تقل عن 10% من قيمة الشيك ولا تزيد على ضعفي قيمة الشيك. وهذا يعطي للمحكمة التي تنظر في القضية صلاحية تطبيق الغرامة المالية التي تراها متناسبة مع الفعل المرتكب. وتمنح المادة 643 (مكرر 2) الجديدة المحكمة الحق بحظر المحكوم عليه من ممارسة نشاط تجاري أو مهني لمدة تصل الى ثلاثة سنوات في حال إرتكب الفعل خلال ممارسة النشاط
إرتكاب إحدى جرائم الشيكات لمصلحة الشخص الإعتباري (كشركة مثلا):
نصت المادة 644 مكررا (1) أنه في الأحوال التي ترتكب فيها إحدى الجرائم المنصوص عليها في هذا الفصل، بإسم ولحساب الشخص الإعتباري، لا يعاقب المسؤول عن الإدارة الفعلية إلا إذا ثبت علمه بالجريمة أو إرتكبها تحقيقا لمصلحة نفسه أو غيره. ومؤدى ذلك أن مدير الشركة لا يسأل عن الفعل إلا في حال ثبت علمه فيها أو إرتكبها بنفسه. ويشير نص المادة إلا أنه على جهة الإدعاء إثبات علم المدير أو تحقق مصلحته من الجريمة
وقد شُددت الغرامات على الشخص الإعتباري بحيث يعاقب في حال ثبتت مسؤوليته بمثلي الغرامة المقررة للجريمة أي لا تقل عن 20% من قيمة الشيك ولا تجاوز خمسة أمثاله
إعتبار الشيك سندا تنفيذيا: نصت المادة 632 مكررا الجديدة على أن يعدّ الشيك المثبت عليه من المسحوب عليه أي المصرف بعدم وجود رصيد له أو عدم كفايته سندا تنفيذيا ولحامله طلب تنفيذه كليا أو جزئيا، جبرا. وهذا يعد تعديل هام يسرع إجراءات التنفيذ والتحصيل المعمول به سابقا حيث أنه كان يتطلب تكليف ساحب الشيك بالوفاء عن طريق البريد المسجل خلال خمسة أيام عمل، يمكن للمستفيد عند إنتهاء المهلة تقديم عريضة للإستحصال على أمر أداء، وعند صدور أمر الأداء يصار الى التنفيذ. وتستهلك هذه الإجراءات وقتا لا يستهان به قد يزيد عن الشهرين ويصل الى عدة أشهر في حال لم يكن للساحب عنوان معلوم إذ يتوجب إلإستعلام عن عنوانه من الجهات المختصة وإجراء النشر في الجريدة
وجوب وفاء المصرف بقيمة الشيك جزئيا:
ألزمت المادة 617 الجديدة المصرف بالوفاء الجزئي لقيمة الشيك بالقدر الموجود لديه مع التأشير بالوفاء الجزئي على الشيك إلا في حال رفض المستفيد ذلك. ويعيد المصرف اصل الشيك الى المستفيد لإستعماله إذا شاء في المحكمة أو لإعادة تقديمه مرة أخرى في حال توفر رصيد قيمة الشيك. وهذا تطور هام حيث أن المصارف كانت تفسر نص المادة 617 القديمة بأنها تعطيها الحق برفض الصرف الجزئي للشيك، حيث كان يؤدي ذلك الى عدم قدرة المستفيد على إستلام الأموال الموجودة في المصرف في حال كانت تقل عن قيمة الشيك، وكان عليه رفع الدعوى للمطالبة بكامل المبلغ وتكبد مصاريف قانونية أكبر عن كامل قيمة الشيك والتأخر في تحصيل أمواله. وقد ألزمت هذا المادة المصرف المسحوب عليه أن يخطر المصرف المركزي في حال رجوع الشيك لعدم كفاية الرصيد كليا أو جزئيا أو في حال إسترداد الساحب للرصيد بعد إصداره الشيك. ويبدو أن هذا الإجراء يهدف الى تسجيل المخالفات التي يقوم بها الساحب بغرض مراقبة ملاءته أو منعه لاحقا من الإستفادة من التعامل بالشيكات وفقا لتعليمات المصرف المركزي
يظهر إستعراضنا أعلاه للتعديلات التي طالت التعامل بالشيكات أن المشرع الإماراتي أزال صفة الجريمة عن الشيك دون رصيد في حالة واحدة فقط في خطوة تعزز إنسانية وذكاء العقوبات لتطال فقط جرائم الشيك الأخرى التي تتصف بسوء النية التي تم رفع قيمة الغرامات المالية على مرتكبيها لردعهم. وتم تسريع إجراءات التنفيذ الجبري على أموال ساحب الشيك. بالخلاصة، تبدو التعديلات الجديدة وأنها جاءت إستجابة للتطور في التعامل التجاري الحاصل، حيث أنها سترسخ الشيك كوسيلة وفاء تحظى بحماية المشرع في حال سوء إستخدامها. وإن المتعاملين بالشيك مدعوون الى إعادة تقييم موقفهم القانوني على ضوء تلك التعديلات لإتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية مصالحهم
لطفا التواصل مع المستشار القانوني سامر أبو سعيد في حال الحاجة لمزيد من المعلومات أو المشورة القانونية التي تتعلق بالموضوع الوارد أعلاه
“إن المعلومات الواردة أعلاه هي على سبيل الإسترشاد ولا تشكل ولا يجب إعتمادها كإستشارة قانونية”